Skip to Content Skip to Mainnavigation Skip to Meta Navigation Skip to Footer
Skip to Content Skip to Mainnavigation Skip to Meta Navigation Skip to Footer

لماذا صنفت منظمة الصحة العالمية الإعاقة الذهنية ضمن اضطرابات النمو العصبي؟

على مدى سنوات طويلة، ارتبطت الإعاقة الذهنية في أذهان كثير من الناس بانخفاض مستوى الذكاء فقط، وكان تقييم الشخص يعتمد غالبا على نتيجة اختبار الذكاء لتحديد قدراته ومستوى إعاقته. غير أن التقدم العلمي في مجالات الطب، وعلم النفس، وعلوم الأعصاب، والتربية الخاصة، كشف أن هذا الفهم لا يعكس الواقع بصورة كاملة، وأن الإعاقة الذهنية أكثر تعقيدا من مجرد رقم يعبر عن القدرات العقلية. وانطلاقا من هذا التطور العلمي، أعادت منظمة الصحة العالمية النظر في تصنيف الإعاقة الذهنية عند إعداد الإصدار الحادي عشر من التصنيف الدولي للأمراض (ICD-11)، حيث أدرجتها ضمن فئة اضطرابات النمو العصبي. ولم يكن هذا التغيير مجرد استبدال لمصطلح بآخر، بل جاء ليعكس فهما علميا أكثر دقة لطبيعة الإعاقة الذهنية، وليساهم في تحسين التشخيص والخدمات والدعم المقدم للأشخاص ذوي الإعاقة الذهنية وأسرهم.

canva

معالج يعانق طفلاً على بساط تمارين رياضية. canva

فلماذا اختارت منظمة الصحة العالمية هذا التصنيف الجديد؟ وما الذي يعنيه ذلك بالنسبة للأشخاص ذوي الإعاقة الذهنية وأسرهم؟

ما المقصود باضطرابات النمو العصبي؟

تشير اضطرابات النمو العصبي إلى مجموعة من الحالات التي تنتج عن اضطراب أو اختلاف في نمو الدماغ والجهاز العصبي خلال مرحلة الطفولة المبكرة. وتظهر آثارها عادة منذ السنوات الأولى من الحياة، وقد تؤثر في التعلم، والانتباه، والتواصل، واللغة، والسلوك، والقدرة على التكيف مع متطلبات الحياة اليومية.

وتشمل هذه الفئة عددا من الحالات، مثل اضطراب طيف التوحد، واضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، واضطرابات التعلم، والإعاقة الذهنية.

ويؤكد هذا التصنيف أن هذه الحالات لا تظهر فجأة في مرحلة البلوغ، بل ترتبط بكيفية نمو الدماغ منذ المراحل الأولى من حياة الإنسان، وهو ما يفسر أهمية التدخل المبكر وتوفير الدعم المناسب منذ الطفولة.

لماذا لم يعد انخفاض معدل الذكاء كافيا لتفسير الإعاقة الذهنية؟

في الماضي، كان تشخيص الإعاقة الذهنية يعتمد بشكل أساسي على اختبارات الذكاء، وكان الأشخاص الذين يحصلون على درجات منخفضة يصنفون مباشرة ضمن فئات الإعاقة الذهنية.

إلا أن الباحثين لاحظوا مع مرور الوقت أن هذا الأسلوب لا يقدم صورة كاملة عن قدرات الشخص. فقد يحصل شخصان على النتيجة نفسها في اختبار الذكاء، لكن أحدهما يستطيع الاعتناء بنفسه، والتواصل مع الآخرين، والذهاب إلى العمل، بينما يحتاج الآخر إلى دعم يومي في معظم أنشطة حياته.

ولهذا السبب، لم يعد معدل الذكاء وحده معيارا كافيا، بل أصبح أحد عناصر التقييم فقط، إلى جانب تقييم قدرة الشخص على ممارسة حياته اليومية، والتواصل، واتخاذ القرارات، والتفاعل مع الآخرين، واكتساب المهارات اللازمة للاستقلالية.

الإعاقة الذهنية ليست مرضا نفسيا

من أكثر المفاهيم الخاطئة انتشارا الاعتقاد بأن الإعاقة الذهنية نوع من الأمراض النفسية أو العقلية.

والحقيقة أن منظمة الصحة العالمية تميز بوضوح بين الإعاقة الذهنية والاضطرابات النفسية. فالإعاقة الذهنية هي حالة نمائية تبدأ خلال مرحلة نمو الدماغ، بينما قد تظهر الاضطرابات النفسية في أي مرحلة عمرية، سواء لدى الأشخاص ذوي الإعاقة أو غيرهم.

وهذا التمييز له أهمية كبيرة، لأنه يساعد على اختيار التدخل المناسب. فالشخص ذو الإعاقة الذهنية يحتاج غالبا إلى خدمات تعليمية وتأهيلية وتنموية، بينما يحتاج الشخص المصاب باضطراب نفسي إلى تدخلات علاجية تختلف باختلاف حالته.

كما أن وجود إعاقة ذهنية لا يمنع من إصابة الشخص باضطراب نفسي، تماما كما يمكن لأي شخص آخر أن يعاني من القلق أو الاكتئاب أو غيرهما من الاضطرابات.

ماذا أضاف التصنيف الجديد؟

اعتمد التصنيف الجديد رؤية أكثر شمولا للإنسان، فلم يعد ينظر إلى الشخص من خلال نقاط ضعفه فقط، وإنما من خلال قدراته الحالية، وإمكاناته المستقبلية، ونوعية الدعم الذي يحتاج إليه.

ولهذا أصبح التشخيص يعتمد على ثلاثة عناصر مترابطة:

  • وجود صعوبات في الوظائف الذهنية، مثل التفكير، والتعلم، والاستدلال، وحل المشكلات.
  • وجود صعوبات في السلوك التكيفي، أي في المهارات اللازمة للحياة اليومية والاستقلالية.
  • ظهور هذه الصعوبات خلال مرحلة النمو، وليس نتيجة إصابة أو مرض حدث في مرحلة لاحقة من العمر.

ويعكس هذا التغيير تحولا مهما من التركيز على "تصنيف الأشخاص" إلى التركيز على "فهم احتياجاتهم".

كيف يساهم هذا التصنيف في تحسين الخدمات؟

لم يأت تصنيف الإعاقة الذهنية ضمن اضطرابات النمو العصبي بهدف تغيير المصطلحات فقط، بل كان الهدف منه أيضا تطوير الخدمات المقدمة للأشخاص ذوي الإعاقة الذهنية. فعندما يكون التشخيص أكثر دقة، يصبح من الممكن تصميم برامج تعليمية وتأهيلية تتناسب مع احتياجات كل شخص، بدلا من تقديم خدمات موحدة للجميع.

فقد يحتاج أحد الأشخاص إلى دعم في التواصل واستخدام اللغة، بينما يحتاج آخر إلى تنمية مهارات العناية الذاتية، وقد يكون شخص ثالث قادرا على العمل إذا حصل على التدريب المناسب والدعم في بيئة العمل.

ومن هنا أصبح الاهتمام موجها نحو بناء قدرات الشخص، وليس فقط تحديد درجة إعاقته.

كما شجع هذا التصنيف على تعزيز التعاون بين مختلف التخصصات، مثل أطباء الأطفال، وأطباء الأعصاب، والأخصائيين النفسيين، وأخصائيي التربية الخاصة، وأخصائيي النطق والعلاج الوظيفي، والأخصائيين الاجتماعيين، حتى يحصل الشخص على دعم متكامل يراعي جميع احتياجاته.

لماذا يعد التدخل المبكر أمرا أساسيا؟

عندما تصنف الإعاقة الذهنية ضمن اضطرابات النمو العصبي، فإن ذلك يؤكد أن آثارها تبدأ في مرحلة مبكرة من نمو الطفل. ولذلك، كلما تم اكتشاف الصعوبات مبكرا، أمكن التدخل في الوقت المناسب للحد من آثارها.

وقد أظهرت الدراسات أن الأطفال الذين يحصلون على خدمات التدخل المبكر يحققون تقدما أفضل في مجالات التواصل، والتعلم، والاستقلالية، مقارنة بالأطفال الذين يتأخر حصولهم على الدعم.

ولا يقتصر التدخل المبكر على الجلسات العلاجية، بل يشمل أيضا توجيه الأسرة، وتوفير بيئة محفزة، وإشراك الطفل في أنشطة تساعده على تنمية مهاراته وقدراته.

المصدر:

اعتمد هذا المقال على دراسة علمية منشورة في مجلة الطب النفسي العالمي (World Psychiatry) بعنوان: "نحو اسم وتعريف وإطار جديد للإعاقة الذهنية في التصنيف الدولي للأمراض (ICD-11)".

رابط الدراسة:
https://doi.org/10.1002/j.2051-5545.2011.tb00045.x

 


هل كان المقال مفيدا؟

الإبلاغ عن خطأ؟ تقرير الآن .

ابحث عن إجابات لجميع أسئلتك في المنتدى