كيف تشخص الإعاقة الذهنية؟ ولماذا لا يعتمد التشخيص على اختبار الذكاء فقط؟
عندما يسمع كثير من الناس عبارة "تشخيص الإعاقة الذهنية"، فإن أول ما يتبادر إلى أذهانهم هو اختبار الذكاء أو ما يعرف باختبار (IQ). وقد ساهم هذا الاعتقاد لعقود طويلة في ترسيخ فكرة أن نتيجة هذا الاختبار وحدها تكفي لتحديد ما إذا كان الشخص يعاني من إعاقة ذهنية أم لا.
خمس فراشات تحوم حول رأس ورقي أرجواني مع فقاعة تفكير. canva
لكن التطورات العلمية التي شهدتها السنوات الأخيرة أثبتت أن الواقع أكثر تعقيدا من ذلك. فقد يكون لدى شخصين النتيجة نفسها في اختبار الذكاء، ومع ذلك يختلفان بشكل كبير في قدرتهما على التعلم، والتواصل، واتخاذ القرارات، وإدارة شؤون الحياة اليومية. ولهذا السبب، تغيرت معايير التشخيص الحديثة، وأصبح تقييم الشخص يعتمد على مجموعة من الجوانب التي تعكس قدراته الفعلية، وليس على رقم واحد فقط.
كيف كان التشخيص يتم في الماضي؟
اعتمدت الأنظمة الطبية والتربوية لسنوات طويلة على اختبارات الذكاء باعتبارها المعيار الأساسي لتشخيص الإعاقة الذهنية. فإذا حصل الشخص على نتيجة تقل عن مستوى معين، كان يصنف ضمن إحدى درجات الإعاقة الذهنية.
وقد ساهم هذا الأسلوب في توحيد إجراءات التشخيص، لكنه في الوقت نفسه كشف عن عدد من أوجه القصور. فاختبارات الذكاء تقيس جوانب محددة من الأداء العقلي، لكنها لا تعكس دائما قدرة الشخص على التعامل مع مواقف الحياة اليومية أو الاعتماد على نفسه أو بناء علاقات اجتماعية ناجحة.
ومع تراكم الأدلة العلمية، أصبح من الواضح أن التشخيص لا يمكن أن يعتمد على اختبار واحد مهما بلغت دقته.
لماذا لا يكفي اختبار الذكاء وحده؟
يقيس اختبار الذكاء بعض القدرات العقلية، مثل الاستدلال، والتفكير المنطقي، والذاكرة، وسرعة معالجة المعلومات. لكنه لا يجيب عن أسئلة مهمة، مثل:
- هل يستطيع الشخص الاعتناء بنفسه؟
- هل يستطيع فهم التعليمات اليومية؟
- هل يتمكن من التواصل مع الآخرين بطريقة مناسبة؟
- هل يستطيع اتخاذ قرارات بسيطة في حياته اليومية؟
- هل يمكنه التعلم واكتساب مهارات جديدة إذا تلقى الدعم المناسب؟
وقد أظهرت الخبرة العملية أن بعض الأشخاص الذين يحصلون على نتائج منخفضة في اختبارات الذكاء يحققون مستوى جيدا من الاستقلالية، في حين يواجه آخرون صعوبات كبيرة في حياتهم اليومية رغم حصولهم على نتائج أعلى نسبيا.
ولهذا أصبح اختبار الذكاء جزءا من عملية التقييم، وليس التقييم بأكمله.
ما المعايير التي يعتمد عليها التشخيص الحديث؟
اعتمدت منظمة الصحة العالمية، إلى جانب الجمعيات العلمية المتخصصة، رؤية أكثر شمولية لتشخيص الإعاقة الذهنية، تقوم على ثلاثة عناصر رئيسية يجب أن تؤخذ مجتمعة، وهي:
-
1
تقييم الوظائف الذهنية
ويقصد بها القدرات العقلية الأساسية التي يستخدمها الإنسان في حياته اليومية، مثل:
- التفكير.
- التعلم.
- حل المشكلات.
- الاستدلال.
- التخطيط.
- فهم المعلومات.
- التعلم من الخبرات السابقة.
ويتم تقييم هذه الجوانب باستخدام اختبارات علمية مقننة يجريها مختصون مؤهلون.
-
2
تقييم السلوك التكيفي
يعد السلوك التكيفي أحد أهم عناصر التشخيص الحديث، لأنه يوضح كيف يستخدم الشخص قدراته في حياته اليومية.
ويشمل ذلك مجموعة واسعة من المهارات، مثل:
- التواصل مع الآخرين.
- العناية بالنظافة الشخصية.
- تناول الطعام وارتداء الملابس بصورة مستقلة.
- استخدام وسائل النقل.
- إدارة الوقت.
- الالتزام بالقواعد الاجتماعية.
- التعامل مع المال.
- اتخاذ القرارات المناسبة للمواقف اليومية.
ولهذا قد يكون شخصان متقاربين في القدرات العقلية، لكن أحدهما أكثر قدرة على إدارة حياته بسبب امتلاكه مهارات تكيفية أفضل.
لا يكفي وجود صعوبات في التفكير أو التعلم حتى يشخص الشخص بالإعاقة الذهنية، بل يشترط أيضا أن تكون هذه الصعوبات قد ظهرت خلال مرحلة النمو، أي منذ الطفولة أو المراهقة.
ويهدف هذا الشرط إلى التمييز بين الإعاقة الذهنية وبين الحالات التي قد تؤثر في القدرات العقلية لاحقا، مثل إصابات الدماغ، أو بعض الأمراض العصبية، أو الخرف لدى كبار السن.
ففي هذه الحالات تكون القدرات العقلية قد تطورت بصورة طبيعية ثم تراجعت نتيجة سبب لاحق، وهو ما يختلف عن طبيعة الإعاقة الذهنية التي ترتبط بنمو الدماغ منذ المراحل الأولى من الحياة.
من يشارك في عملية التشخيص؟
لم يعد تشخيص الإعاقة الذهنية مسؤولية مختص واحد، بل أصبح يعتمد على عمل فريق متعدد التخصصات، لأن كل مختص يساهم في تقييم جانب معين من قدرات الشخص واحتياجاته.
وقد يضم هذا الفريق طبيب الأطفال أو طبيب الأعصاب، والأخصائي النفسي، وأخصائي التربية الخاصة، وأخصائي النطق واللغة، وأخصائي العلاج الوظيفي، والأخصائي الاجتماعي، إضافة إلى الأسرة التي تعد مصدرا أساسيا للمعلومات حول أداء الشخص في حياته اليومية.
ويساعد هذا التعاون على تكوين صورة متكاملة عن الشخص، بدلا من الاعتماد على نتائج اختبار واحد أو ملاحظة واحدة.
هل يمكن أن تتغير نتائج التقييم مع مرور الوقت؟
يعتقد بعض الناس أن تشخيص الإعاقة الذهنية يعني أن قدرات الشخص ستبقى ثابتة طوال حياته، لكن هذا الاعتقاد غير دقيق.
فالتشخيص يحدد طبيعة الحالة، لكنه لا يحدد بشكل نهائي مستوى الأداء الذي يمكن للشخص الوصول إليه. فالقدرات العملية، والمهارات الاجتماعية، ومستوى الاستقلالية، يمكن أن تتحسن بصورة ملحوظة عندما يحصل الشخص على التعليم المناسب، والتدريب المستمر، والدعم الأسري، والخدمات التأهيلية.
ولهذا السبب، يوصي المختصون بإعادة تقييم احتياجات الشخص بشكل دوري، خاصة خلال المراحل الانتقالية، مثل الالتحاق بالمدرسة، أو الانتقال إلى التعليم الثانوي، أو الاستعداد للحياة المهنية.
المصدر:
اعتمد هذا المقال على دراسة علمية منشورة في مجلة الطب النفسي العالمي (World Psychiatry) بعنوان: "نحو اسم وتعريف وإطار جديد للإعاقة الذهنية في التصنيف الدولي للأمراض (ICD-11)".
رابط الدراسة:
https://doi.org/10.1002/j.2051-5545.2011.tb00045.x