المشكلة أن معظم قصص الإعاقة تروى بعيون "الآخرين"
لا تزال الصورة النمطية للأشخاص ذوي الإعاقة حاضرة بقوة في مختلف وسائل الإعلام حول العالم، رغم كل التقدم المسجل في التشريعات والمعايير الدولية. وفقًا لتقرير اليونسكو المعنون بـ "Promoting inclusion through media: Representation of persons with disabilities" (2021)، فإن وسائل الإعلام كثيرًا ما تفشل في عرض تجارب ذوي الإعاقة بوصفهم فاعلين اجتماعيين، ويتم تقديمهم إما في سياقات بطولية غير واقعية (نموذج "الإلهام")، أو عبر منظور العجز والشفقة، مما يُفضي إلى ترسيخ التمييز بدل مقاومته.
قصص الإعاقة تروى بعيون (canva)
أين تكمن المشكلة؟
تشير اليونسكو إلى أن المشكلة لا تتعلق فقط بطريقة الحديث عن الأشخاص ذوي الإعاقة، بل أيضًا بـمن يملك حق الحكي؟، حيث إن معظم القصص تُروى بعيون "الآخرين"، وليس من داخل التجربة الذاتية للأشخاص في وضعية إعاقة.
وقد أدى ذلك إلى تهميش صوت هذه الفئة في القضايا التي تخصها، سواء في التغطية اليومية أو في الإعلام المتخصص.
نحو نموذج بديل: تجارب دولية ملهمة
-
1
هيئة الإذاعة البريطانية (BBC): المشاركة من الداخل
تعد BBC من أوائل المؤسسات الإعلامية التي تبنّت سياسة شاملة لتمثيل الأشخاص ذوي الإعاقة.
في عام 2017، أعلنت الهيئة عن استراتيجية جديدة تحت شعار "50:50 Project"، تهدف إلى تحقيق تنوع حقيقي في الإنتاج الإعلامي، وشملت الخطة إجراءات عملية مثل:- توظيف إعلاميين ذوي إعاقة ضمن فرق الإنتاج.
- تخصيص برامج يقودها أشخاص في وضعية إعاقة.
- تطوير أدلة داخلية تحكم طريقة الحديث عن قضايا الإعاقة.
كما أنشأت الهيئة قسمًا خاصًا بالتنوع والاندماج، يتابع تنفيذ هذه السياسات ويقيّم نتائجها دوريًا.
-
2
أستراليا: شراكة للكتابة من الداخل
في أستراليا، بادرت منظمات إعلامية بالتعاون مع جمعيات الأشخاص ذوي الإعاقة لإنتاج دليل شامل بعنوان "Disability Reporting Handbook"، نُشر لأول مرة سنة 2020، وشارك في كتابته صحفيون محترفون إلى جانب خبراء من الحركة الحقوقية.
يحتوي الدليل على:
- نصائح لغوية لتفادي الوصف التمييزي.
- قواعد التعامل مع المصادر من ذوي الإعاقة.
- أمثلة واقعية على تغطيات غير منصفة وطريقة تصحيحها.
كما أصبح الدليل جزءًا من مقررات الصحافة والإعلام في الجامعات، لضمان انتقال المعايير الجديدة للأجيال القادمة.
-
3
جنوب إفريقيا: لغة الإشارة على الشاشة
جنوب إفريقيا قدمت نموذجا مختلفا، قائمًا على تغيير البنية القانونية لوسائل الإعلام.
بموجب التعديلات التي أقرها المجلس المستقل للاتصالات السمعية البصرية (ICASA)، أُصبح من الإلزامي للقنوات العمومية إدماج:- لغة الإشارة في النشرات الإخبارية.
- أدوات ترجمة فورية وتعليق صوتي للأشخاص المكفوفين.
- برامج من إنتاج أشخاص ذوي إعاقة.
وقد أدت هذه الإجراءات إلى رفع نسبة الوصول الرقمي للمحتوى الإعلامي بين فئات لم تكن ممثلة من قبل.
ما الذي يمكننا استخلاصه من هذه النماذج؟
1. أن التمثيل لا يعني الحضور فقط، بل كيفية الحضور.
2. أن إشراك الأشخاص ذوي الإعاقة في كل مراحل الإنتاج الإعلامي هو المفتاح لتغيير فعلي ومستدام.
3. أن وجود تشريعات واضحة وآليات مراقبة مستقلة يسرّع التحول نحو إعلام أكثر عدالة.
المصادر :
BBC Diversity and Inclusion Strategy 2017–2020
Media Diversity Australia – Disability Reporting Handbook
ICASA Regulations on Broadcasting Services for Persons with Disabilities – 2019
لديك خيار الاستماع إلى المقال! اضغط على زر التشغيل لتبدأ