الفجوة الرقمية للأشخاص في وضعية إعاقة عزلة مضاعفة في عصر التكنولوجيا
في وقت أصبحت فيه التقنيات الرقمية رافعة أساسية للإدماج الاجتماعي والولوج إلى الخدمات والتعليم والشغل، تظهر نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024 أن الولوج إلى الإنترنت لا يزال متواضعا جدا لدى الأشخاص في وضعية إعاقة. ففقط 18.3% من الأشخاص في وضعية إعاقة يستخدمون الإنترنت، وهي نسبة منخفضة تعكس فجوة رقمية كبيرة مقارنة ببقية السكان. ولا تقتصر أهمية هذه الفجوة على الجانب التقني فقط، بل تمتد إلى تأثيراتها على القدرة على الولوج إلى الخدمات الرقمية الأساسية، والتعليم عن بعد، وفرص الشغل، والتواصل الاجتماعي الذي يساعد على تقليص العزلة.
فوارق صارخة حسب وسط الإقامة
تتسع الفجوة الرقمية بشكل كبير عندما نحلل المعطيات حسب وسط الإقامة. ففي الوسط الحضري، تصل نسبة مستخدمي الإنترنت إلى 25.4% ، في حين لا تتجاوز هذه النسبة في الوسط القروي 9.3% .
هذا الفارق الكبير (أكثر من 16 نقطة مئوية) يعكس واقعا مزدوجا: فسكان العالم القروي في وضعية إعاقة يعانون ليس فقط من عزلة جغرافية وضعف في البنية التحتية للاتصالات، بل أيضا من حرمان رقمي يضاعف من عزلاتهم الاجتماعية والاقتصادية.
الفجوة بين الجنسين
تظهر المعطيات أيضا فجوة بين الجنسين داخل فئة الأشخاص في وضعية إعاقة. فبينما يستخدم الرجال الإنترنت بنسبة 20.7% ، تنخفض هذه النسبة لدى النساء إلى 16% .
وهذا الفارق، وإن كان أقل حدة من الفجوات المسجلة في مجالات التعليم والعمل، يعكس استمرار التفاوت في الولوج إلى التكنولوجيا الرقمية بين النساء والرجال داخل هذه الفئة. فالنساء في وضعية إعاقة، اللواتي يعانين أصلا من تهميش مضاعف، يجدن أنفسهن أيضا في مؤخرة الركب الرقمي.
الهاتف المحمول: الوسيلة الرقمية الأكثر انتشارا
يبرز الهاتف المحمول كأكثر الوسائل الرقمية انتشارا بين الأشخاص في وضعية إعاقة، حيث يمتلكه 50.9% منهم، أي أكثر من النصف بقليل. وتعكس هذه النسبة أن الهاتف المحمول، نظرا لتكلفته المنخفضة نسبيا وسهولة استخدامه، يشكل البوابة الرقمية الأساسية لهذه الفئة.
وتظهر الفروق حسب وسط الإقامة أن امتلاك الهاتف المحمول يرتفع في الوسط الحضري إلى 55.9% ، مقابل 44.6% في الوسط القروي. وهذا الفارق يعكس مرة أخرى التفاوت في الولوج إلى التكنولوجيا بين الحضر والقرى.
أما بالنسبة للفروق بين الجنسين، فيمتلك الرجال الهاتف المحمول بنسبة 56.4% مقابل 45.1% لدى النساء، وهو فارق يعكس استمرار التفاوت الاقتصادي والاجتماعي بين الجنسين حتى في اقتناء أبسط وسائل الاتصال.
الحاسوب: حضور شبه غائب
إذا كانت نسب امتلاك الهاتف المحمول واستخدام الإنترنت متواضعة، فإن امتلاك الحاسوب يبقى شبه غائب لدى الأشخاص في وضعية إعاقة، حيث لا تتجاوز نسبته 1.4% من مجموع هذه الفئة.
وهذه النسبة تعكس فجوة رقمية عميقة، خاصة في ظل التحول الرقمي المتسارع الذي يشهده المغرب وفي ظل الاعتماد المتزايد على التكنولوجيا في مجالات التعليم والتكوين والشغل. ويتجلى التفاوت بشكل أكبر في الوسط القروي حيث لا تتجاوز نسبة امتلاك الحاسوب 0.4% ، مقابل 2.1% في الوسط الحضري.
من هم الأكثر حرمانا رقما؟
من خلال هذه المعطيات، تتضح ملامح الفئات الأكثر حرمانا من الولوج إلى التكنولوجيا الرقمية:
- سكان الوسط القروي: حيث لا تتجاوز نسبة استخدام الإنترنت 9.3%، وامتلاك الهاتف المحمول 44.6%، وامتلاك الحاسوب 0.4%.
- النساء في وضعية إعاقة: حيث تقل نسبة استخدامهن للإنترنت عن الرجال (16% مقابل 20.7%)، وامتلاك الهاتف المحمول (45.1% مقابل 56.4%).
- الفئة التي لا تمتلك أي وسيلة رقمية: حوالي نصف الأشخاص في وضعية إعاقة (49.1%) لا يمتلكون حتى هاتفا محمولا، مما يعني أنهم خارج أي فضاء رقمي.
دلالات الفجوة الرقمية
هذه الأرقام تحمل دلالات عميقة تتجاوز الجانب التقني. فالولوج إلى التكنولوجيا الرقمية لم يعد ترفا، بل أصبح ضرورة أساسية للاندماج في المجتمع المعاصر:
- الخدمات الإدارية والصحية: كثير من الخدمات الأساسية أصبحت متاحة عبر المنصات الرقمية، مما يجعل ضعف الولوج الرقمي عائقا إضافيا أمام الحصول على الحقوق.
- التعليم والتكوين: في عصر التعليم عن بعد والتكوين الرقمي، يجد الأشخاص في وضعية إعاقة أنفسهم مستبعدين من فرص التعلم المستمر والتأهيل المهني.
- فرص الشغل: متطلبات سوق الشغل أصبحت تتضمن بشكل متزايد مهارات رقمية أساسية، والحرمان منها يعني الإقصاء من فرص الإدماج المهني.
- العزلة الاجتماعية: تساهم التكنولوجيا الرقمية في تقليص العزلة الاجتماعية، خاصة للأشخاص الذين يعانون من صعوبات في التنقل أو الذين يعيشون في مناطق نائية.
نحو سياسات رقمية شاملة
تكشف هذه المعطيات أن التحدي لم يعد فقط في توفير التكنولوجيا، بل في ضمان ولوج عادل وشامل للأشخاص في وضعية إعاقة. وتدعو النتائج إلى:
- تعزيز البنية التحتية الرقمية في الوسط القروي لضمان ولوج أفضل للإنترنت.
- تطوير برامج محو الأمية الرقمية الموجهة خصيصا للأشخاص في وضعية إعاقة، مع مراعاة الفوارق بين الجنسين.
- دعم اقتناء المعدات الرقمية من خلال آليات الدعم الاجتماعي، خاصة للفئات الأكثر هشاشة.
- ضمان ولوج المنصات الرقمية العمومية للأشخاص ذوي الإعاقة من خلال تصميمها وفق معايير الولوجية.
- تفعيل برامج التكوين عن بعد لتكون في متناول هذه الفئة، خاصة النساء وسكان المناطق القروية.
المصدر:
المندوبية السامية للتخطيط (2026)، الأشخاص في وضعية إعاقة بالمغرب: دراسة مستخلصة من نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024.