الصحة والتغطية الصحية للأشخاص في وضعية إعاقة: معطيات وأرقام
تشكل التغطية الصحية عاملا أساسيا لرفاه الأشخاص في وضعية إعاقة، حيث لا يقتصر دورها على التمكين من الاستفادة من الرعاية الملائمة فحسب، بل يشمل أيضا الوقاية من الأمراض والتكفل بالاحتياجات المتعلقة بالإعاقة. تكشف معطيات الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024 أن 63.3% من الأشخاص في وضعية إعاقة يستفيدون من التغطية الصحية، أي أكثر من ستة أشخاص من بين كل عشرة. وتعكس هذه النسبة تقدما في تعميم التغطية الصحية، لكنها تظل دون المستوى المطلوب، خاصة بالنظر إلى الاحتياجات الصحية المتزايدة لهذه الفئة.
فوارق محدودة حسب وسط الإقامة
تظهر المعطيات أن الفروق في التغطية الصحية بين الوسطين الحضري والقروي غير ملحوظة، حيث تبلغ النسبة في الوسط الحضري 63.4% مقابل 63.3% في الوسط القروي. وهذا التقارب يعكس جهود توسيع التغطية الصحية لتشمل مختلف مناطق المملكة، وهو مؤشر إيجابي رغم أن النسب تبقى قابلة للتحسين.
فجوة بين الجنسين
على مستوى الفروق بين الجنسين، تحظى النساء في وضعية إعاقة بتغطية صحية أقل قليلا من الرجال، حيث تبلغ النسبة 60.8% مقابل 65.9% لدى الرجال. وهذا الفارق، وإن كان محدودا (حوالي 5 نقاط مئوية)، يعكس استمرار التفاوت في الولوج إلى الخدمات الصحية بين النساء والرجال داخل هذه الفئة، خاصة في ظل ضعف الاستقلال الاقتصادي للنساء كما أظهرت المعطيات السابقة.
المؤسسات العمومية: الملاذ الرئيسي للعلاج
إذا كانت التغطية الصحية تشكل الخطوة الأولى نحو الولوج إلى الخدمات، فإن أماكن الرعاية تعكس الخيارات الفعلية للأشخاص في وضعية إعاقة. وتظهر النتائج أن أغلبية هذه الفئة تتوجه إلى المؤسسات الطبية العمومية، التي تظل الملاذ الرئيسي لـ 68.5% منهم.
وتتسع هذه النسبة في الوسط القروي حيث تصل إلى 71.8% ، مقابل 66% في الوسط الحضري. وهذا الفارق يعكس محدودية العرض الصحي الخاص في العالم القروي، مما يجعل المؤسسات العمومية الخيار الوحيد المتاح لشريحة واسعة من سكان المناطق النائية.
القطاع الخاص: خيار محدود
في المقابل، يستقطب القطاع الصحي الخاص حوالي ربع الأشخاص في وضعية إعاقة، بنسبة 25% . وهذه النسبة تعكس واقعا اقتصاديا واضحا، حيث يظل الولوج إلى القطاع الخاص مرتبطا بالقدرة المالية، وهو ما يحد من إمكانية استفادة شريحة واسعة من هذه الفئة من خدماته، رغم أن جودتها قد تكون أفضل في بعض الحالات.
الموارد الهامشية: الصيدليات والطب البديل
تظل الصيدليات والطب البديل أو التقليدي موارد هامشية في منظومة الرعاية الصحية للأشخاص في وضعية إعاقة، حيث لا تتجاوز نسبتهما 2.3% و 0.9% على التوالي. وتشير هذه الأرقام إلى أن هذه الفئة تفضل التوجه المباشر إلى المؤسسات الطبية بدل الاعتماد على الحلول الموازية.
من لا يتلقى أي علاج؟
تشير المعطيات إلى وجود نسبة ضئيلة لكنها دالة من الأشخاص في وضعية إعاقة لا تستفيد من أي علاج، حيث تبلغ 3.3% من مجموع هذه الفئة. وهذه الحالة أكثر شيوعا في الوسط القروي حيث تصل إلى 4% ، مقابل 2.7% في الوسط الحضري.
هذه النسبة، رغم صغرها، تعكس واقعا مقلقا لفئة تعيش أصلا وضعية هشة، حيث يتحول غياب العلاج إلى عامل مضاعف للإعاقة وللمعاناة اليومية. كما تبرز التفاوتات المرتبطة بوسط الإقامة في الولوج إلى الرعاية الصحية الأساسية، إذ أن سكان القرى هم الأكثر عرضة لانقطاع العلاج.
قراءة في الأرقام: تقدم محدود وتحديات مستمرة
يمكن استخلاص عدة دلالات من هذه المعطيات:
أولا: رغم أن نسبة المستفيدين من التغطية الصحية (63.3%) تعتبر إيجابية نسبيا، إلا أن حوالي 37% من الأشخاص في وضعية إعاقة لا يزالون خارج نظام التغطية الصحية، مما يعرضهم لمخاطر كبيرة في حال حدوث مضاعفات صحية.
ثانيا: التفاوت بين الوسطين الحضري والقروي لا يظهر بشكل كبير في التغطية الصحية، لكنه يظهر بوضوح في الولوج الفعلي إلى الخدمات (المؤسسات العمومية في القروي بنسبة 71.8% مقابل 66% في الحضري)، مما يعني أن سكان القرى يعتمدون بشكل أكبر على القطاع العمومي في غياب بدائل خاصة.
ثالثا: الفجوة بين الجنسين في التغطية الصحية (60.8% للنساء مقابل 65.9% للرجال) تعكس واقع التبعية الاقتصادية للنساء في وضعية إعاقة، حيث أن قدرتهن على التسجيل في أنظمة التغطية الصحية قد تكون مرتبطة بمعيل ذكر.
رابعا: وجود نسبة 3.3% لا تتلقى أي علاج، تصل إلى 4% في الوسط القروي، يثير تساؤلات حول مدى كفاية آليات الوصول إلى الخدمات الصحية الأساسية في المناطق النائية، وحول فعالية برامج الدعم الاجتماعي الموجهة للفئات الأكثر هشاشة.
نحو تعزيز الحق في الصحة
تدعو هذه المعطيات إلى تعزيز السياسات الصحية الموجهة للأشخاص في وضعية إعاقة، مع التركيز على:
- توسيع التغطية الصحية لتشمل الفئة غير المستفيدة حاليا (حوالي 37%).
- تعزيز العرض الصحي في الوسط القروي لتقليل الاعتماد المفرط على المؤسسات العمومية التي قد تعاني من اكتظاظ ونقص في الموارد.
- تطوير برامج وقائية وعلاجية موجهة تراعي خصوصية مختلف أنواع الإعاقات.
- تحسين آليات الولوج إلى الخدمات الصحية للفئة التي لا تتلقى أي علاج، خاصة في المناطق النائية.
- تفعيل برامج الدعم الاجتماعي لتمكين النساء في وضعية إعاقة من التسجيل في أنظمة التغطية الصحية بشكل مستقل.
المصدر:
المندوبية السامية للتخطيط (2026)، الأشخاص في وضعية إعاقة بالمغرب: دراسة مستخلصة من نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024.