السكن وظروف العيش الأشخاص في وضعية إعاقة: معطيات عامة
تشكل ظروف السكن مؤشرا أساسيا لتقييم رفاه الأشخاص في وضعية إعاقة، حيث تعكس مدى استقرارهم واستقلاليتهم وجودة حياتهم اليومية. وتكشف معطيات الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024 أن أغلبية الأسر التي تضم شخصا واحدا على الأقل في وضعية إعاقة تمتلك مسكنها الخاص، بنسبة 77.5% على المستوى الوطني. ويعكس هذا المنحى القوي نحو الملكية عاملا من عوامل الاستقرار والأمن السكني للأسر الهشة، إذ يمنحها قدرا من الطمأنينة والاستقرار في مواجهة أوضاعها الاجتماعية والاقتصادية الصعبة.
وتظهر الفروق حسب وسط الإقامة أن نسبة ملاك المساكن تصل إلى 88.4% في الوسط القروي، وهي نسبة مرتفعة تعكس طبيعة الملكية العقارية في العالم القروي، حيث تمثل المساكن التقليدية المملوكة ذاتيا النمط السائد. في المقابل، تنخفض هذه النسبة في الوسط الحضري إلى 69.1% ، حيث يلجأ 19.1% من هذه الأسر إلى الكراء، مقابل 11.8% في وضعيات سكنية أخرى.
كثافة سكنية واكتظاظ ملحوظ
من حيث حجم المساكن، تقيم أغلبية الأشخاص في وضعية إعاقة في مساكن تتكون من 2 إلى 3 غرف، بنسبة 66.8% . ويلاحظ أن عدد الغرف يزداد مع حجم الأسرة ولكن بشكل غير متناسب، مما يؤدي غالبا إلى كثافة سكنية عالية واكتظاظ ملحوظ، خاصة لدى الأسر المكونة من شخصين أو أكثر.
وتكشف المعطيات أن الأسر المكونة من شخص واحد تعيش في غرفة واحدة بنسبة 37.2% ، في حين ترتفع نسبة الإقامة في غرفة واحدة إلى 17.8% لدى الأسر المكونة من شخصين، و 12.2% لدى الأسر المكونة من ثلاثة أشخاص، و 11% لدى الأسر المكونة من أربعة أشخاص. أما الأسر المكونة من خمسة أشخاص فأكثر، فتبقى نسبة إقامتها في غرفة واحدة محدودة عند 6.4% .
ويبقى أن المساكن الواسعة (4 غرف فأكثر) أقل شيوعا بين هذه الأسر، حيث لا تتجاوز نسبتها 20.9% من مجموع المساكن.
الفوارق في نوع المسكن بين الحضر والقرى
يظهر توزيع الأسر التي تضم أشخاصا في وضعية إعاقة حسب نوع المساكن اختلافات ملحوظة بين الوسطين:
في الوسط الحضري:
- "دور مغربية": 77.2% (النمط السائد)
- الشقق: 15.1%
- السكن غير الأكثري أو دور الصيف: 3.7%
- الفيلات: 1.7% (نادرة)
في الوسط القروي:
- مساكن تقليدية ملائمة للظروف المحلية: 62%
- دور مغربية: 33.7%
- سكن غير أكثري: 2.1%
هذه الاختلافات تعكس الطابع المعماري المميز لكل من الوسطين، لكنها تشير أيضا إلى أن جزءا من الأشخاص في وضعية إعاقة في الوسط القروي يعيشون في مساكن تقليدية قد لا تتوفر فيها شروط الولوجية والتهيئة الملائمة لاحتياجاتهم.
تجهيزات السكن: فجوات صارخة بين الحضر والقرى
إذا كانت نسبة الملكية السكنية مرتفعة نسبيا، فإن معطيات التجهيزات الأساسية تكشف عن فجوات كبيرة بين الوسطين الحضري والقروي، مما يؤثر بشكل مباشر على جودة حياة الأشخاص في وضعية إعاقة.
المطبخ والمراحض
تتوفر الغالبية العظمى من المساكن على المطبخ والمراحض، حيث تبلغ نسبة توفر المطبخ 94.5% على المستوى الوطني (97.6% في الحضري مقابل 90.5% في القروي)، ونسبة توفر المراحض 95.6% (99.3% في الحضري مقابل 90.9% في القروي).
قاعة الماء (حمام أو حوض)
تظهر الفجوة الأولى بشكل واضح في توفر قاعة الماء (حمام أو حوض)، حيث لا تتجاوز النسبة على المستوى الوطني 53% . وتتفاقم هذه الفجوة في الوسط القروي حيث لا تتوفر إلا في 35.6% من المساكن، مقابل 66.7% في الوسط الحضري. وهذا الفارق الكبير (أكثر من 31 نقطة مئوية) يعكس محدودية البنية التحتية الصحية في المناطق القروية، مما يشكل تحديا إضافيا للأشخاص في وضعية إعاقة، خاصة أولئك الذين يعانون من صعوبات في الحركة أو الاعتناء بالذات.
الكهرباء
تعد الكهرباء من أكثر التجهيزات توفرا، حيث تصل النسبة إلى 96.5% على المستوى الوطني (98.4% في الحضري مقابل 94.1% في القروي). ورغم أن النسبة مرتفعة، إلا أن الفجوة بين الوسطين لا تزال قائمة.
الماء الجاري
تشكل الولوج إلى الماء الجاري تحديا كبيرا، حيث لا تتوفر هذه الخدمة إلا في 76% من المساكن على المستوى الوطني. وتتسع الفجوة بشكل كبير بين الوسطين، حيث تصل النسبة في الوسط الحضري إلى 96.1% ، مقابل 50.3% فقط في الوسط القروي. وهذا يعني أن نصف الأسر التي تضم أشخاصا في وضعية إعاقة في العالم القروي لا تتوفر على الماء الجاري، مما يزيد من معاناتهم اليومية ويجعل الاعتناء بالذات والاحتياجات الصحية أكثر صعوبة.
طرق تصريف المياه المستعملة
تظهر الفجوة الأكثر اتساعا في طرق تصريف المياه المستعملة، حيث تعتمد الأسر في الوسط الحضري بشكل كبير على الشبكة العمومية بنسبة 92.1% ، بينما لا تتجاوز هذه النسبة في الوسط القروي 7.1% فقط. وفي المقابل، تعتمد الأسر القروية أساسا على الحفر المطروحة بنسبة 40.8% .
هذه الفجوة تعكس محدودية البنية التحتية للصرف الصحي في العالم القروي، مما يشكل خطرا صحيا وبيئيا إضافيا، خاصة بالنسبة للأشخاص في وضعية إعاقة الذين قد يعانون من ضعف المناعة أو صعوبات في الحركة.
من هم الأكثر حرمانا سكنيا؟
من خلال هذه المعطيات، تتضح ملامح الفئات الأكثر حرمانا من ظروف السكن الملائمة:
- سكان الوسط القروي: حيث تصل نسبة عدم توفر الماء الجاري إلى 49.7%، وعدم توفر قاعة الماء إلى 64.4%، وعدم ربط الشبكة العمومية لتصريف المياه المستعملة إلى 92.9%.
- الأسر الكبيرة: حيث تعاني من كثافة سكنية عالية واكتظاظ، خاصة في المساكن المحدودة الغرف.
- الأسر المستأجرة في الوسط الحضري: حيث تمثل 19.1% من الأسر، وهي نسبة تعكس هشاشة إضافية في ظل ارتفاع تكاليف الكراء.
دلالات هذه المعطيات
تكشف هذه الأرقام عن واقع مزدوج:
أولا: الملكية السكنية المرتفعة (77.5%) تعكس استقرارا نسبيا، لكنها قد تخفي أيضا واقعا آخر يتمثل في صعوبة التنقل أو تغيير السكن بسبب محدودية الدخل والاعتماد على مساكن قديمة أو غير مهيأة.
ثانيا: الفجوات الكبيرة بين الوسطين الحضري والقروي في التجهيزات الأساسية (الماء الجاري، قاعة الماء، الصرف الصحي) تضع الأشخاص في وضعية إعاقة في الوسط القروي أمام تحديات يومية إضافية، تزيد من صعوبة الاعتناء بالذات وتفاقم الهشاشة الصحية.
ثالثا: الاكتظاظ السكني، خاصة في الأسر المكونة من شخصين أو أكثر، يشكل عائقا إضافيا أمام الخصوصية والراحة، وقد يحد من قدرة الأشخاص في وضعية إعاقة على ممارسة حياتهم اليومية بشكل طبيعي.
نحو سياسات سكنية شاملة
تدعو هذه المعطيات إلى تعزيز السياسات السكنية الموجهة للأسر التي تضم أشخاصا في وضعية إعاقة، مع التركيز على:
- برامج دعم تهيئة المساكن لتكون ملائمة لاحتياجات الأشخاص في وضعية إعاقة، خاصة في الوسط القروي.
- توسيع شبكات الماء الجاري والكهرباء والصرف الصحي في المناطق القروية لسد الفجوات الكبيرة.
- برامج دعم السكن للأسر المستأجرة في الوسط الحضري، التي تمثل 19.1% من الأسر.
- تحسين ظروف السكن للأسر الكبيرة التي تعاني من الاكتظاظ، من خلال برامج السكن الاجتماعي.
- تعزيز الولوجية في المساكن الجديدة عبر إلزامية معايير البناء الملائمة للأشخاص في وضعية إعاقة.
المصدر:
المندوبية السامية للتخطيط (2026)، الأشخاص في وضعية إعاقة بالمغرب: دراسة مستخلصة من نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024.