الالتزام الدولي بالتعليم الشامل على محك التطبيق الميداني
يشكل الحق في التربية والتكوين أحد الأعمدة الأساسية التي تقوم عليها منظومة حقوق الإنسان، وقد أولته الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة عناية خاصة من خلال المادة 24، التي تنص على ضمان تمتع الأشخاص في وضعية إعاقة بحقهم الكامل في التعليم داخل نظام تعليمي جامع، قائم على المساواة وعدم التمييز، ويضمن تطوير القدرات الإنسانية إلى أقصى حد ممكن.
صورة طفل ذوي إعاقة حركية يشارك في حصة مهاراتية (Freepik)
اختلالات بنيوية تعيق الحق في التعليم الشامل
ورغم هذا الإطار المعياري المتقدم، فقد تضمن تقرير اللجنة الأممية المعنية بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة لسنة 2017، بخصوص التقرير الأول حول إعمال المغرب للاتفاقية الدولية للأشخاص ذوي الإعاقة، مجموعة من الاختلالات التي تحول دون التفعيل الحقيقي للحق في التعليم لفائدة الأطفال في وضعية إعاقة بالمغرب.
ومن أبرز هذه الاختلالات استمرار هيمنة نموذج التعليم الخاص المنفصل، وضعف إدماج الأطفال في وضعية إعاقة داخل التعليم العمومي، إلى جانب تعدد الحواجز المعمارية والمؤسساتية والبيداغوجية، كصعوبة الولوج إلى المدارس، وغياب التجهيزات الملائمة، ونقص الموارد البشرية المؤهلة في مجال التعليم الجامع، وضعف توفر الوسائل والبرامج التربوية الميسرة.
كما سجلت اللجنة غياب الترتيبات التيسيرية المعقولة، خاصة في المناطق القروية، وضعف آليات التبليغ والمساءلة لفائدة الأسر والأطفال المتضررين، ما يكرس الهشاشة التعليمية ويغذي منطق الإقصاء بدل الإدماج.
مفارقة بين النص والممارسة
على المستوى الوطني، أصدر المغرب القانون الإطار 97.13 يتعلق بحماية حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة والنهوض بها، والقانون الإطار 51.17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين، واللذين أكدا على ضرورة تمكين الأشخاص في وضعية إعاقة من حقهم في التعلم وضمان ولوجهم المنصف إلى المدرسة، كما أن الوزارة الوصية بادرت بإطلاق عدد من البرامج والقرارات التي تهم تنزيل تلك المقتضيات القانونية، لكن تظل عددا من الإكراهات يصطدم فيها التلاميذ والتلميذات في وضعية إعاقة خلال التمتع بحقه في التعليم..
فقد أظهر الملخص التنفيذي لتقرير أنجزه المرصد الوطني للتربية الدامجة سنة 2025 بالمغرب، أن عدد الأطفال المتمدرسين في وضعية إعاقة بلغ حوالي 95 ألف سنة 2021، قبل أن يتراجع بشكل مقلق إلى حدود 65 ألف سنة 2025، أي بانخفاض يقارب 30 في المائة. كما لم يتجاوز عدد المسجلين مع بداية الموسم الدراسي 2025-2026 حوالي 5 آلاف طفل، مقابل رقم تقديري كان يفترض أن يصل إلى 14 ألف.
هذا التراجع يعكس أزمة حقيقية في السياسات التعليمية الدامجة، ويطرح تساؤلات جوهرية حول مدى التزام الدولة بمسؤولياتها الدستورية والاتفاقية تجاه الأطفال في وضعية إعاقة.
مظاهر التمييز والإقصاء
لا يقتصر الإقصاء على الأرقام فقط، بل يتجلى أيضا في ممارسات تمييزية مباشرة، من أبرزها إلزام الأسر بأداء أجرة مرافقة الحياة المدرسية كشرط غير قانوني لولوج أبنائهم المدرسة العمومية، فضلا عن الإقصاء شبه التام للأطفال ذوي الإعاقة السمعية والبصرية من التعليم العمومي النظامي.
ويضاف إلى ذلك ضعف ولوج التلاميذ في وضعية إعاقة إلى المسارات التعليمية العليا، حيث لا يتجاوز عدد المترشحين منهم لاجتياز امتحانات الباكالوريا ألفي تلميذ سنويا، في حين لا يتمدرس من أصل 100 طفل في وضعية إعاقة سوى أقل من 55، ولا يصل إلى مرحلة اجتياز الباكالوريا سوى 6 فقط.
نحو تحول حقيقي في السياسات العمومية
إن تحقيق التربية الدامجة يقتضي إرساء سياسة عمومية شمولية تقوم على تغيير النموذج من تعليم خاص ومنفصل إلى تعليم جامع يكيف المدرسة مع احتياجات المتعلمين بدل فرض تكيفهم مع نظام إقصائي.
ويستوجب ذلك مراجعة آليات التخطيط التربوي، وتعميم الولوجيات، وتكوين المدرسين في بيداغوجيات الإدماج، وإدراج الترتيبات التيسيرية المعقولة بشكل منهجي، إلى جانب تمكين الأسر من آليات التظلم والمساءلة، وتعزيز الشراكة مع المجتمع المدني.