الاختلالات المرتبطة بآليات تنزيل الترسانة القانونية الضامنة لحق المشاركة السياسية للأشخاص ذوي الإعاقة
لا يمكن التحجج بغياب الإطار القانوني الضامن لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة. فمنذ دستور 2011، الذي كرّس في ديباجته، المتمتعة بنفس القوة القانونية لفصوله، التزام المملكة بحظر ومكافحة كل تمييز مبني على الإعاقة، وأقرّ في فصله 19 مبدأ المساواة بين المواطنين، وضمن في فصله 30 حق التصويت والترشح للجميع دون أي استثناء صريح يخص الإعاقة، وألزم في فصله 34 السلطات العمومية بوضع سياسات لفائدة ذوي الاحتياجات الخاصة، راكمت البلاد نصوصا مهمة توجت بالمصادقة على الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة سنة 2009، والتي تلتزم في مادتها 29 الدول الأطراف بضمان إجراءات تصويت ميسّرة ومفهومة و سهلة الوصول، وحماية حق التصويت السري دون تخويف، وإتاحة المساعدة من شخص يختاره الناخب بحرية.
وجاء القانون الإطار رقم 97.13 يتعلق بالنهوض بحقوق الأشخاص في وضعية إعاقة وحمايتها، الصادر سنة 2016، ليكرّس تحولا فلسفيا جوهريا من منطق “المساعدة والرعاية” إلى منطق “الحق والمساواة”، ناسخا بذلك نصوصا قديمة كانت لا تزال تنظر إلى الإعاقة من زاوية إحسانية، فيما وفر القانون رقم 03-10 المتعلق بالولوجيات، رغم بطء تفعيله، الإطار التقني المرجعي لتجهيز الفضاءات المستقبلة للعموم بما فيها المدارس والمقرات الإدارية التي تتحول إلى مكاتب للتصويت يوم الاقتراع، بولوجيات معمارية تسمح بالوصول المستقل.
بيد أن هذا التراكم التشريعي يصطدم بثغرة جوهرية يجمع عليها الفاعلون الحقوقيون: فمنظومة القوانين الانتخابية نفسها، القانون رقم 57.11 المتعلق باللوائح الانتخابية، والقانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب، لا تتضمن، في صيغتها الحالية، فصولا صريحة تُلزم بتوفير ترتيبات تيسيرية محددة (لغة برايل، لغة الإشارة، مرافقة، ولوجية إلزامية لكل مكاتب التصويت)، بل تترك هذه التسهيلات لمذكرات تنظيمية وتعليمات إدارية مؤقتة قد تتغير من محطة انتخابية إلى أخرى، بدل أن تكون قاعدة قانونية دائمة وملزمة.
سجلت المحطات الانتخابية الأخيرة، وآخرها الاقتراع الثلاثي (تشريعي وجماعي وجهوي) ليوم 8 شتنبر 2021، تسهيلات محدودة، تمثلت في السماح بمرافقة شخص موثوق أو تقديم المساعدة عند الحاجة. لكن هذه المكتسبات تبقى، بشهادة عدة فعاليات حقوقية، تجارب متفرقة غير معممة على كل الدوائر الانتخابية، ولم ترتق بعد إلى قاعدة عامة وملزمة.
فعلى مستوى التسجيل في اللوائح الانتخابية الذي يعتبر المدخل الأول لممارسة الحق، لا تزال المنصة الرقمية المخصصة لذلك تفتقر إلى معايير الولوجية الرقمية الأساسية (التوافق مع برامج قراءة الشاشة، تبسيط الواجهات)، وهو ما يحرم شريحة واسعة من الأشخاص في وضعية إعاقة بصرية من التسجيل بشكل مستقل، محوّلا آلية كان من المفترض أن تضمن المساواة إلى مصدر إقصاء غير معلن. وعلى مستوى يوم الاقتراع نفسه، لا تزال أغلب مكاتب التصويت تفتقر إلى ولوجيات معمارية كافية، فيما يظل تعميم بطاقات الاقتراع بطريقة برايل واقتراحات الإرشاد بلغة الإشارة للأشخاص الصم أمرا مؤجلا إلى حين.
تمويل الأحزاب على أساس الإعاقة: آلية تحفيزية أم حافز شكلي؟
من بين أقل جوانب هذا الملف تداولا إعلاميا عشية استحقاقات 2026، رغم أهميته العملية، آلية ربط الدعم العمومي الموجَّه للأحزاب السياسية بتمثيلية الأشخاص في وضعية إعاقة ضمن لوائحها الانتخابية. فالمرسوم رقم 2.16.666 المنظم لمساهمة الدولة في تمويل الحملات الانتخابية للأحزاب، الذي راجعته الحكومة بشكل جوهري مطلع أبريل 2026 استعدادا لاستحقاقات 23 شتنبر، يقوم على شطرين متمايزين: حصة جزافية موحدة رفعت قيمتها من 750 ألف درهم إلى مليون درهم لكل حزب مؤهل، تُصرف قبل 90 يوما من الاقتراع لضمان انطلاقة متكافئة للجميع؛ وشطر ثانٍ يُوزَّع بعد الانتخابات وفق عدد المقاعد المحصَّل عليها فعليا، بمنطق “التمويل مقابل الأداء”.
والجديد اللافت في هذا المرسوم هو تخصيص دعم إضافي تحفيزي قد تصل قيمته إلى ستة أضعاف القيمة العادية للمقعد، لفائدة الأحزاب التي تنجح في إيصال مترشحين من فئات محددة إلى قبة البرلمان، وعلى رأسها، إلى جانب الشباب دون 35 سنة ومغاربة العالم والنساء في الدوائر المحلية، الأشخاص في وضعية إعاقة. بعبارة أخرى، لم يعد دعم ترشيح الأشخاص في وضعية إعاقة مجرد إشارة تشجيعية عامة كما كان سابقا، بل تحول إلى حافز مالي مباشر ومحسوب بدقة لكل حزب ينجح في تجاوز عتبة “الترشيح الرمزي” إلى عتبة “الفوز الفعلي”.
بيد أن فعالية هذه الآلية تصطدم بثلاثة قيود عملية تستحق التوقف عندها:
أولا، الاستفادة من هذا الدعم مشروطة بالاستناد إلى وثائق رسمية تُودَع ضمن ملف الترشيح تثبت صفة “الشخص في وضعية إعاقة” (من المفترض بطاقة الإعاقة)، وهو ما يضع المترشح أمام معضلة الإفصاح عن وضعيته الصحية في وثيقة عمومية، في سياق مجتمعي لا يزال يتعامل مع الإعاقة أحيانا بنوع من الوصم أو الشفقة.
ثانيا، الحافز المالي يذهب إلى خزينة الحزب لا إلى المترشح مباشرة، مما يترك لسلطة الحزب التقديرية تحديد كيفية استثمار هذا الدعم في الحملة الفعلية للمترشح المعني.
ثالثا، سقف مصاريف الحملة الانتخابية للمترشح الواحد لا يأخذ بعين الاعتبار الكلفة الإضافية التي قد يتحملها مترشح في وضعية إعاقة (مرافقة، تنقل مُيسَّر، وسائل تواصل بديلة)، وهو ما يجعل الحافز المالي على مستوى الحزب لا يُترجَم بالضرورة إلى تكافؤ حقيقي للفرص على مستوى المترشح الفرد نفسه.
المصدر: ذ.كريم الشرقاوي
خبير في المشاركة السياسية للأشخاص في وضعية إعاقة.
عضو شبكة ممر: مشاركة – معلومة – رقمنة.