الإعاقة والذكاء الإصطناعي في السياق الرقمي المغربي: جدلية التمكين الرقمي ومخاطر التمييز
ازدادت أهمية موضوع الإعاقة والتكنولوجيا الرقمية في السياق المغربي، مع اختيار المملكة اعتماد الرقمنة كرافعة للتنمية؛ حيث تم إنشاء اللجنة الوطنية لحماية المعطيات الشخصية سنة 2009، بالموازاة مع إطلاق عدة برامج واستراتيجيات وطنية في المجال الرقمي، مثل الاستراتيجية الوطنية للتحول الرقمي 2030، تطوير الخدمات الإلكترونية، الانتقال إلى الإدارة الرقمية في عديد المؤسسات وتأهيل البنية التحتية الرقمية؛ وقد وفّرت هذه الدينامية إمكانات جديدة للأشخاص في وضعية إعاقة، سواء عبر تيسير الولوج إلى الخدمات العمومية عن بُعد، إنشاء المنصات التفاعلية التي ترسخ المشاركة المواطِنة أو من خلال توفير الحلول التقنية المساعدة كالأجهزة والتطبيقات الرقمية التعليمية، الصحية، المهنية لتقليص القصور الوظيفي الجسدي، بغية تعزيز الإستقلالية؛ كما أن دستور 2011، والقوانين التنظيمية ذات الصلة، وما تبعهما من سياسات عمومية، تحاول استحضار بُعد الإعاقة لتكريس مبادئ المساواة والإنصاف والحق في الوصول الشامل، مما يجعل الرقمنة فرصة لتعزيز فعلية التمتع بالحقوق.
صورة شابة في وضعية إعاقة تشتغل في حاسوب (canva)
اتساقا مع ما سبق فإن العلاقة بين الإعاقة والرقمنة والذكاء الاصطناعي، أضحت ضرورة معرفية ومجتمعية، لفهم آفاق التمكين التي توفرها التكنولوجيا الحديثة، وتحديد المخاطر البنيوية التي قد تنتج عن سوء إدماج بُعد الإعاقة داخل المنظومة الرقمية؛ ففي ظل التطور المتنامي للذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المنبثقة عنه واكتساحه عديد المجالات، تبرز ضرورة التعبير عن المخاطر التي قد تقوّض المكتسبات الحقوقية والإدماجية التي تحققت خلال العقود الماضية لصالح الأشخاص في وضعية إعاقة، من قبيل: التمييز الخوارزمي، وشح حضور الأشخاص في وضعية إعاقة وقضاياهم وانشغالاتهم داخل قواعد البيانات الرقمية لدى الفاعلين السياسيين والإقتصاديين...، مما قد يؤدي إلى قرارات ميكانيكية وآلية (Robotique) غير منصفة وغير مُؤنْسنة، خصوصاً في المجالات الأكثر إلحاحا مثل: الصحة، التعليم، التشغيل،الإعلام، الإتصال والتواصل، الدعم الاجتماعي، الإسكان، الحكامة والشفافية...
تأسيسا على ذلك تعتبر الرقمنة والذكاء الاصطناعي اليوم من أبرز التحولات البنيوية التي تعيد تشكيل مختلف مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية والمؤسساتية بل وحتى على مستوى سلوك وعادات الأفراد؛ والهواجس المعبر عنها في الفقرة السابقة تستوجب إعادة تقييم السياسات العمومية الوطنية ومخططات التنموية الجهوية، لمعرفة مدى قدرة الرقمنة على تقليص الفوارق وتعزيز العدالة الاجتماعية والمجالية، من خلال تنفيذ سياسات تضمن لذوي الإعاقة الوصول إلى خدمات الإنترنت عالية السرعة بتكلفة معقولة، وصولا للتمكين الرقمي والتكنولوجي؛ خصوصاً في المناطق الأقل حظا حيث الوسائط الرقمية بمثابة جسر عبور الأشخاص في وضعية إعاقة نحو المشاركة الإجتماعية والإقتصادية...، بل إن هذا المجهود الرسمي في تأهيل البنية التحتية الرقمية الوطنية، يجب أن يشمل الجماعات الترابية التي تشهد أوراش تنموية ملحوظة ومتسارعة، مثل الجهات الجنوبية، وبشكل مستعجل المدن الكبرى للمملكة، المُصنفة كوجهات سياحية وجاذبة للإستثمار، وذلك بالتزامن مع تنظيم المغرب لعديد التظاهرات الرياضية، السياسية والفنية الدولية لاستقبال ملايين الزوار والمؤتمرين والسياح من ضمنهم الأشخاص في وضعية إعاقة.
المصدر: الدكتور الغالي محمد رئيس إئتلاف الجنوب للنهوض بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة.
لديك خيار الاستماع إلى المقال! اضغط على زر التشغيل لتبدأ (صوت مينة سعدي)