الإعاقة والانتخابات في المغرب: أرقام تكشف حجم الرهان.
تشكل المعطيات الإحصائية الحديثة الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط، ضمن النتائج التحليلية للإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024، منطلقا ضروريا لقياس حجم التحدي. فقد سجل معدل انتشار الإعاقة على الصعيد الوطني نسبة 4.8 %، أي ما يفوق 1.73 مليون شخص، في تراجع طفيف مقارنة بـ5.1 % سنة 2014. غير أن هذا المعدل يظل أعلى بكثير بالوسط القروي (نحو 5.6 %) منه بالوسط الحضري (نحو 4.2 %)، وهو ما يعيد طرح سؤال الولوجية وضعف البنية التحتية في المناطق النائية بحدة خاصة.
والأخطر من ذلك أن الإحصاء نفسه يكشف مفارقة بنيوية تمس صميم القدرة على المشاركة السياسية: فحوالي 67.7 % من الأشخاص في وضعية إعاقة لم يبلغوا أي مستوى دراسي، ولا تتجاوز نسبة محو الأمية في صفوفهم 35.4 %، مقابل 75.2 % على المستوى الوطني.
« بمعنى آخر، فإن العائق الحقيقي أمام المشاركة السياسية في شموليتها والانتخابية خاصة ليس تقنيا بحتا أو مرتبطا فقط بالولوجيات المعمارية أو الرقمية، بل يرتبط أيضا بضعف نسبة التمدرس ومحدودية الوعي بالحقوق والإجراءات، مما يجعل التبسيط والتوعية شرطان موازيان للولوجية المادية، لا خيارا ثانويا. »
ما وراء الأرقام: كيف يمارس الأشخاص في وضعية إعاقة مواطنتهم فعليا؟
إذا كان إحصاء 2024 يرسم الصورة الديمغرافية العامة، فإن البحث الوطني الثاني حول الإعاقة، الذي أنجزته وزارة التضامن والمرأة والأسرة والتنمية الاجتماعية سنة 2014 على عينة من 16.044 أسرة، يبقى إلى اليوم المصدر الأكثر تفصيلا لقياس المشاركة السياسية الفعلية للأشخاص في وضعية إعاقة، لا الحق النظري فيها فقط. وقد سجل هذا البحث، حينها، معدل انتشار وطني للإعاقة بلغ 6,8 % (أي 2.264.672 شخصا)، بما يعني أن أسرة مغربية واحدة من بين كل أربع أسر، أي 24,5 % منها، معنية مباشرة بالإعاقة.
وتكشف نتائج محور “المواطنة” في هذا البحث فجوة صارخة بين الحق المُقرّ قانونا وممارسته الفعلية: فرغم أن 53 % من الأشخاص في وضعية إعاقة صرّحوا بأنهم يمارسون حقهم في التصويت، فإن هذه النسبة تنخفض بشكل حاد حين يتعلق الأمر بأشكال المشاركة الأعمق والفعلية، إذ لا تتجاوز نسبة المشاركين في الأنشطة السياسية والنقابية 2,7 %، بينما لم يسبق لسوى 2 % منهم فقط أن ترشحوا لانتخابات جماعية أو تشريعية.
وتزداد الصورة قتامة عند النظر إلى مؤشر الوعي بالحقوق: فلم يصرح بمعرفة تامة بجميع الحقوق الأساسية المخولة للأشخاص في وضعية إعاقة بموجب القانون المغربي سوى 10,6 % منهم، فيما لا تتجاوز نسبة المنخرطين في جمعية عاملة في مجال الإعاقة 6,3 % على الصعيد الوطني (7,3 % بالوسط الحضري مقابل 4,9 % بالوسط القروي، و7,4 % لدى الذكور مقابل 4,8 % فقط لدى الإناث).
هذه الأرقام تمنح قراءة أكثر دقة لمفهوم “العائق أمام المشاركة”: فالمشكلة ليست فقط في الوصول المادي إلى مكتب التصويت يوم الاقتراع، بل في سلسلة كاملة من الحواجز التراكمية التي تبدأ من ضعف الوعي بالحقوق (89,4 % لا يعرفون حقوقهم بشكل كامل)، مرورا بضعف التأطير الجمعوي (أكثر من 93 % غير منخرطين في أي جمعية، و54 % منهم يصرحون بأنهم لا يعرفون أصلا جمعية يمكنهم الانخراط فيها)، وصولا إلى غياب شبه تام عن مواقع الترشح والقرار (2 % فقط سبق لهم الترشح).
- اقرأ أيضا مقالا بعنوان: انتخابات دامجة للجميع: ما الذي ينبغي أن يتغير لضمان مشاركة شاملة للأشخاص في وضعية إعاقة؟
ويُبرز هذا التسلسل أن سياسة “تيسير التصويت” وحدها، مهما بلغت جودتها التقنية، تبقى قاصرة إذا لم تُرافَق بسياسة موازية للتوعية الحقوقية والتأطير الجمعوي والتشجيع الفعلي على الترشح وإجمالا لا يمكن الحديث عن المشاركة الفعلية والفعالة دون تعليم دامج وتنشئة اجتماعية وسياسية للأشخاص في وضعية إعاقة تنبني على المواطنة الكاملة للأشخاص في وضعية إعاقة.
المصدر: ذ.كريم الشرقاوي
خبير في المشاركة السياسية للأشخاص في وضعية إعاقة.
عضو شبكة ممر: مشاركة – معلومة – رقمنة.