تقنية الوصف السمعي في الملاعب الرياضية تعد من أهم الآليات الحديثة التي تهدف إلى تمكين الأشخاص المكفوفين وضعاف البصر من متابعة المباريات الرياضية بشكل متكافئ مع باقي الجماهير. تقوم هذه التقنية على نقل مجريات اللعب بصوت واضح ودقيق عبر وصف لحظي لكل ما يحدث داخل الملعب من تحركات اللاعبين والكرة وردود فعل الجماهير والقرارات التحكيمية وكل التفاصيل التي لا يمكن إدراكها دون الرؤية.
الوصف السمعي ليس مجرد تعليق رياضي عادي بل هو عملية تواصل متخصصة تعتمد على لغة وصفية دقيقة ومحايدة وسريعة تتلاءم مع إيقاع اللعب.، يقوم المعلق أو الواصف السمعي بشرح مكان الكرة واتجاهها وحركة اللاعبين والمسافات التقريبية والزوايا والتغيرات التكتيكية دون تأويل أو رأي شخصي.
الهدف الأساسي هو إعطاء صورة ذهنية كاملة للمستمع حتى يشعر وكأنه يرى المباراة بعيني، من الناحية التقنية يعتمد الوصف السمعي في الملاعب على نظام صوتي مستقل غالبا ما يكون عبر سماعات فردية أو تطبيقات رقمية متصلة بالهاتف الذكي. يتم بث الوصف بشكل مباشر ومتزامن مع المباراة داخل الملعب أو حتى عن بعد.
هذا النظام يسمح للمكفوفين بمتابعة المباراة دون إزعاج الآخرين ودون الاعتماد على شخص مرافق، إضافة إلى السماعات الصوتية تعتمد بعض الملاعب المتقدمة على لوحة إلكترونية لمسية على شكل ملعب مصغر يتم تسخيرها للأشخاص المكفوفين. هذه اللوحة تمكن الكفيف من تتبع تحركات الكرة داخل الملعب بشكل حسي عبر الاهتزاز أو الحركة الميكانيكية المتزامنة مع مجريات اللعب. هذا الحل التكنولوجي يمنح تجربة أكثر شمولية حيث يجمع بين الوصف السمعي والإدراك اللمسي مما يعزز الفهم المكاني للمباراة ويقوي الإحساس بالمشاركة الفعلية داخل الملعب.
« أهداف تقنية الوصف السمعي متعددة وأولها تحقيق مبدأ تكافؤ الفرص والمساواة في الولوج إلى الترفيه والثقافة الرياضية. »
الرياضة حق إنساني وليست امتيازا لفئة دون أخرى. كما تهدف هذه التقنية إلى تعزيز استقلالية الأشخاص المكفوفين داخل الفضاءات العامة ومنحهم الشعور بالاندماج الكامل داخل المجتمع، كما تسهم هذه التقنية في تعزيز الحضور الجماهيري للأشخاص في وضعية إعاقة بصرية داخل الملاعب وتشجعهم على المشاركة في الحياة الرياضية بشكل مباشر.
وجود المكفوف في الملعب وهو يتابع المباراة باستقلالية يغير نظرة المجتمع للإعاقة من منطلق الرعاية إلى منطلق الحقوق والتمكين، الوصف السمعي في الملاعب له بعد قانوني وحقوقي واضح. فهو ينسجم مع الدستور المغربي الذي ينص على المساواة وعدم التمييز وضمان الولوجيات، كما ينسجم مع الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة التي تؤكد على حق الأشخاص ذوي الإعاقة في المشاركة في الحياة الثقافية والرياضية والترفيهية على قدم المساواة مع الآخرين.
من الناحية الاجتماعية والثقافية تساهم هذه التقنية في نشر ثقافة الإدماج والوعي بقضايا الإعاقة داخل الأوساط الرياضية والمؤسسات المسيرة للملاعب والفرق الرياضية، كما تفتح آفاقا جديدة للتكوين المهني من خلال إعداد واصفين سمعيين متخصصين وتطوير تقنيات رقمية مبتكرة تخدم هذا المجال.
تطبيق تقنية الوصف السمعي يتطلب إرادة مؤسساتية وتعاونا بين القطاعات المختلفة من جامعات رياضية ووزارة الشباب والثقافة والجماعات الترابية والمجتمع المدني، كما يتطلب إشراك الأشخاص المكفوفين أنفسهم في تصميم هذه الخدمات وتقييمها لضمان جودتها وفعاليتها.
في الختام يمكن القول إن تقنية الوصف السمعي في الملاعب ليست خدمة إضافية بل هي حق أساسي وخطوة عملية نحو مجتمع أكثر عدلا وإنصافا. الاستثمار في هذه التقنية هو استثمار في الكرامة الإنسانية وفي قيم المساواة والتنوع والاندماج الحقيقي.
الأستاذ عبد اللطيف الغازي، رئيس جمعية لويس برايل بتطوان.
لديك خيار الاستماع إلى المقال! اضغط على زر التشغيل لتبدأ (AI)