عندما نتحدث عن الإعاقة، لا يجب أن نحصرها فقط في الجوانب الطبية أو البدنية. فالإعاقة ليست مجرد مشكلة صحية أو "نقص" في الجسم أو الذهن، بل هي نتيجة لتفاعل معقد بين الحالة الصحية للفرد وبين العوامل البيئية والشخصية التي تحيط به. هذا هو جوهر تصنيف ICF (التصنيف الدولي للوظائف والإعاقة والصحة) الذي أطلقته منظمة الصحة العالمية. يعد ICF إطارا عالميا جديدا لتوصيف الصحة والإعاقة، لا ينطلق من المرض بل من قدرة الشخص على التفاعل مع بيئته وأداء وظائفه في الحياة اليومية.
في هذا النموذج:
- الوظيفة تشمل جميع جوانب الأداء الجسدي والعقلي والاجتماعي.
- الإعاقة تُعرّف كـ "مصطلح مظلة" يشمل:
- الاختلالات الوظيفية (impairments)
- القيود في الأنشطة (activity limitations)
- القيود في المشاركة المجتمعية (participation restrictions)
وهنا تبرز أهمية البيئة، فهي قد تعيق الشخص أو تدعمه. مثلاً، شخص لديه صعوبة في التنقل قد يعيش حياة نشيطة إذا توفرت وسائل نقل ميسّرة، والعكس صحيح.
يعتمد التصنيف على نموذج بيولوجي-نفسي-اجتماعي يجمع بين:
- النموذج الطبي (التركيز على العلاج).
- النموذج الاجتماعي (التركيز على إزالة الحواجز).
- ويقترح حلاً وسطا يجمع بين المقاربتين.
هذا التوجه يسمح لنا بفهم أن الإعاقة ليست فقط "صفة شخصية" بل هي أيضا نتيجة تفاعل مع المحيط. ولذلك، فسياسات الإدماج والإتاحة ليست ترفا، بل ضرورة تتيح للناس أن يعيشوا بكامل قدراتهم.
جاء تطوير نموذج ICF بعد عقود من النقاشات الدولية حول مفهوم الإعاقة، حيث رأت منظمة الصحة العالمية أن النماذج القديمة – وخصوصا الطبية منها – لم تكن كافية لفهم التحديات المعقدة التي يواجهها الأشخاص في وضعية إعاقة. فبعد النسخة التجريبية سنة 1980 المعروفة بـICIDH، عملت المنظمة على توسيع الرؤية، وشملت جوانب المشاركة المجتمعية والعوامل البيئية والشخصية، لتُصدر رسميًا تصنيف ICF سنة 2001 كإطار شامل للسياسات الصحية والاجتماعية.
وقد اعتمد هذا النموذج في عدد من الدول كموجه للسياسات العمومية ومؤشرات التنمية، حيث لم يتم اعتباره كمجرد إطار نظري، بل أداة عملية تعزز العدالة في السياسات وتسهم في تحسين جودة حياة الأفراد والمجتمعات على حد سواء.
خلاصة عملية:
اعتماد هذا النموذج يساعد العاملين في المجال الصحي والاجتماعي، وصانعي السياسات، والباحثين، وحتى الأشخاص في وضعية إعاقة أنفسهم، على الحديث بلغة مشتركة وفهم أعمق لماهية الإعاقة وأين تكمن الحلول.
المصدر:
World Health Organization (2002). ICF: Towards a Common Language for Functioning, Disability and Health. WHO, Geneva.
لديك خيار الاستماع إلى المقال! اضغط على زر التشغيل لتبدأ (صوت لمياء التنفالي)