اكتسـب فهـم العلاقـة بين الإعاقـة والتكنولوجيا الرقمية والذكاء الإصطناعي خـلال السنوات الأخيرة علـى وجـه التحديـد، زخمـا متزايدا في النقاش العام، كون الإطار العام لهذه العلاقة مكفول كحقوق في اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الأشخاص ذوي إعاقة سنة 2006، تحديدا في المواد 9، 14، 16، 19، وبشكل خاص المادة 20 منها، بحيث يرقى وصول الأشـخاص ذوي إعاقـة إلى النفاذ الرقمي والمعرفي، مسـألة من مسـائل حقوق الإنسـان الأساسـية، حيث كانت الأمم المتحدة قد اتخذت منذ ما يقرب من عشرين سنة "إمكانية الوصول الإلكتروني (E-Accessibility)" كشعار للإحتفاء بحقوق الأشخاص في وضعية إعاقة سنة 2006، وهي نفس سنة إقرار الإتفاقية الدولية الناظمة لحقوق ذوي إعاقة، مما يعكس الأهمية القصوى لضمان هذا الحق، ووعيا أمميا استشرافيا لهذه الطفرة العلمية.
فللوهلة الأولى تبدو العلاقة بين الإعاقة والثورة الرقمية المعاصرة ملتبسة، كونها تشكل إحدى نقاط التقاطع الحاسم بين القضايا الإنسانية والعلمية والأخلاقية الأكثر إلحاحا، وبين أسرع التحولات التكنولوجية والرقمية في تاريخنا المعاصر؛ فالكل يجمع أن العالم يعيش تحولا رقميا عميقا يتجسد في تكنولوجيات الذكاء الاصطناعي وزحفها على عديد المجالات العلمية وتأثيراتها الجلية على سلوك الأفراد والمجتمعات، مما يجعل الرقمنة محركا مركزياً في إعادة تشكيل طبيعة التفاعل الإنساني مع محيطه وبيئته، وانعكاسها على أنماط العيش وصولا لتحول ملموس في شكل الخدمات العمومية والخاصة؛ فبفضل انتشار الهواتف المحمولة الذكية والتطبيقات والبرمجيات ناهيك عن التقنيات الحديثة، بدأنا نشهد تحولاً جذرياً في الأدوات المساعدة لذوي الإعاقة، حيث تحولت من حلول ثابتة إلى أنظمة ذكية مرنة قادرة على البرمجة والتكيف مع الاحتياجات الفردية لحاملي مختلف الإعاقات، وبذلك يأتي موضوع الإعاقة في قلب هذا التحول والإنشغال، كونه مجالا تتقاطع فيه إمكانات التكنولوجيا الرقمية كمُيسر لرفع مختلف الحواجز وتحسين الولوج وصولا للدمج الكلي من خلال المشاركة الإجتماعية، الإقتصادية، الثقافية والسياسية..، باعتبار التكنولوجيات المُعِينَة وسيلة للإستقلالية وتعزيز الشعور بالإدماج الإجتماعي؛ بالتوازي مع ذلك تبرز هواجس مخاطر جديدة قد تُعيد إنتاج الوصم والإقصاء بطرق غير مرئية.
من جهة أخرى، وعلى الرغم من أن أغلب الدول ومن ضمنها المغرب، صادقت على الإتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص في وضعية إعاقة، إلا أننا نلحظ أن هذه الفئة من المجتمع، لا زالت تواجه حواجز وعوائق كبيرة ومتنوعة تحول دون ولوجها الرقمي واستفادتها من مكتسبات الثورة الرقمية والذكاء الإصطناعي، بحيث تتفاوت بحسب طبيعة ودرجة الاعاقة والجندرة والطبقة الإجتماعية وبين الحواضر والقرى.
وتشـير أرقـام المندوبية السامية للتخطيط لسنة 2024 إلـى أن أكثـر مـن مليوني شـخص أي حوالـي4.8 ٪ من سـكان المغرب هـم في وضعية إعاقـة، إذ يواجه المغرب تفاوتات رقمية واضحة بين الجهات، وبين الفئات الاجتماعية، وبين الأشخاص ذوي الإعاقة أنفسهم؛ كما أن غياب تعميم الولوجيات الرقمية، وعدم مراعاة بعض المنصات لمعايير النفاذ، وندرة المحتوى الموجه للأشخاص في وضعية إعاقة بكل أنواعها، جعل الكثير منهم، يجابهون صعوبات في الاعتماد على التكنولوجيا الرقمية، بسبب مخاوف من عدم تقبل المجتمع أو قلة الوعي بأهمية الرقمنة والذكاء الاصطناعي في تجويد ظروف عيشهم. هذا التحدي لا يتعلق فقط بالوصول التقني، بل بمخاطر الإقصاء المزدوج (الإقصاء المادي في الحياة اليومية كواقع معيش، والإقصاء الرقمي في الخدمات الأساسية)؛ كلها عوامل قد تتحول إلى مصادر جديدة للإقصاء الشامل.
المصدر: الدكتور الغالي محمد رئيس إئتلاف الجنوب للنهوض بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة.
لديك خيار الاستماع إلى المقال! اضغط على زر التشغيل لتبدأ (صوت مينة سعدي)