تم يوم الخميس 3 شتنبر 2026 بالرباط، تقديم النتائج الأولية للبحث الوطني الثالث حول الإعاقة بالمغرب، من طرف كتابة الدولة المكلفة بالإدماج الاجتماعي، مقدما صورة محينة حول واقع الإعاقة بالمغرب، ليس فقط من خلال قياس نسبة انتشارها، وإنما أيضا عبر رصد ظروف عيش الأشخاص في وضعية إعاقة، ومدى ولوجهم إلى التعليم والصحة والحماية الاجتماعية والعمل، إضافة إلى الولوجيات والنفاذية الرقمية وانتظاراتهم.
ويكتسي هذا البحث أهمية خاصة بالنظر إلى اعتماده مقاربة منهجية أكثر تطورا، وتوسيعه نطاق البحث ليشمل أبعادا مرتبطة بإعمال الحقوق والمشاركة وظروف العيش. كما تم إنجازه بشراكة بين المندوبية السامية للتخطيط، والمرصد الوطني للتنمية البشرية، وصندوق الأمم المتحدة للسكان، وبمشاركة المجتمع المدني والخبراء في مراحل الإعداد والتشاور.
فما هي أبرز الأرقام والمؤشرات التي كشفت عنها النتائج الأولية ببحث 2026، مقارنة بالبحث الوطني الثاني للإعاقة لسنة 2014.
بلغ معدل انتشار الإعاقة على المستوى الوطني 8.7 في المائة سنة 2026، مقابل 6.8 في المائة سنة 2014، أي بارتفاع قدره 1.9 نقطة مئوية.
غير أن هذا الارتفاع لا ينبغي تفسيره بشكل مباشر باعتباره ارتفاعا في عدد الأشخاص الذين أصبحت لديهم إعاقة. فقد اعتمد البحث الجديد أدوات أكثر دقة واتساعاً في قياس الصعوبات الوظيفية، ما مكن من رصد حالات أقل ظهورا، بما فيها حالات قد لا تكون مشخصة أو مصرحا بها إداريا. وبالتالي، فإن ارتفاع المؤشر يعكس، إلى جانب التغيرات المحتملة في واقع الإعاقة، تحسنا في القدرة على الرصد والقياس الإحصائي.
من المعطيات اللافتة أن حوالي 29 في المائة من الأسر المغربية توجد ضمنها حالة إعاقة، أي ما يقارب أسرة واحدة من كل ثلاث أسر.
وهذا المؤشر مختلف عن معدل انتشار الإعاقة؛ فـ8.7 في المائة هو معدل يتعلق بالأشخاص داخل مجموع السكان، بينما نسبة الأسر المعنية بالإعاقة تشير إلى الأسر التي يوجد ضمنها شخص أو أكثر في وضعية إعاقة.
وتكشف هذه النسبة أن آثار الإعاقة لا تقتصر على الشخص المعني، بل تمتد إلى الأسرة، سواء من خلال تكاليف الرعاية والمواكبة، أو تأثيرها على الدراسة والعمل والدخل والحياة الاجتماعية.
« ولذلك، فإن سياسات الإعاقة لا يمكن أن تقتصر على دعم الفرد، بل تحتاج أيضا إلى مراعاة الأسر ومقدمي الرعاية. »
بلغت نسبة الأشخاص الذين لديهم إعاقة شديدة حوالي 2.3 في المائة.
وتكتسي هذه النتيجة أهمية بالنسبة لتوجيه السياسات والخدمات، لأن الأشخاص الذين يواجهون صعوبات شديدة قد يحتاجون إلى مستويات أكبر من الدعم، والمساعدة التقنية، والخدمات المتخصصة، والمواكبة والترتيبات التيسيرية.
وبالتالي، لا يكفي معرفة عدد الأشخاص في وضعية إعاقة، بل من الضروري أيضا معرفة درجة الصعوبة والاحتياجات المرتبطة بها حتى تكون الخدمات أكثر استهدافا.
تكشف النتائج عن تفاوت ترابي واضح في معدلات انتشار الإعاقة. فقد تراوحت النسب بين 14.2 في المائة بجهة بني ملال-خنيفرة و2.4 في المائة بجهة الداخلة-وادي الذهب، مع تسجيل خمس جهات لنسب تفوق المتوسط الوطني.
لكن البحث يلفت أيضا إلى ضرورة عدم الاكتفاء بترتيب الجهات حسب معدل الانتشار؛ إذ إن ارتفاع معدل الانتشار في جهة لا يعني بالضرورة أنها تضم أكبر عدد من الأشخاص ذوي الإعاقة الشديدة.
تظهر النتائج أن النساء أكثر عرضة نسبياً للإعاقة من الرجال، وهو ما يفرض إدماج مقاربة النوع الاجتماعي في السياسات العمومية المتعلقة بالإعاقة، خاصة في مجالات التعليم والصحة والعمل والخدمات الاجتماعية.
كما تكشف النتائج عن ارتباط واضح بين التقدم في السن وارتفاع الإعاقة، إذ تقدر نسبة الأشخاص المسنين الذين لديهم إعاقة متوسطة إلى شديدة بحوالي 26 في المائة.
وتبرز هذه النتيجة الحاجة إلى سياسات متكاملة تجمع بين الشيخوخة والإعاقة، بما يشمل الرعاية الصحية والاجتماعية، وإعادة التأهيل، ودعم الاستقلالية، وخدمات المساعدة والمواكبة المنزلية.
على مستوى أنواع الإعاقة، جاءت الإعاقة الحركية في المرتبة الأولى وطنياً، تليها الإعاقة البصرية ثم الإعاقة المرتبطة بقصور العناية الذاتية.
كما أظهرت النتائج أن شخصا واحدا من كل خمسة أشخاص في وضعية إعاقة لديه أكثر من ثلاث إعاقات، وهو مؤشر مهم على تعدد الصعوبات وتداخلها لدى جزء من الأشخاص.
ويعني ذلك أن الاستجابة لا يمكن أن تعتمد دائماً على خدمة واحدة أو قطاع واحد، وإنما تحتاج إلى مسارات متكاملة تجمع بين الصحة وإعادة التأهيل والتعليم والدعم الاجتماعي والمساعدات التقنية والمواكبة الأسرية.
من أبرز الأرقام التي تستحق التوقف عندها أن 29.7 في المائة فقط من الأشخاص في وضعية إعاقة يتوفرون على تشخيص، أي حوالي ثلاثة أشخاص من كل عشرة.
ومن بين مجموع التشخيصات المسجلة، تمثل الإعاقة الحركية 46.8 في المائة، والإعاقة الذهنية 22.8 في المائة، والإعاقة البصرية 21.5 في المائة. في المقابل، ظلت نسبة تشخيص بعض الاضطرابات العصبية النمائية محدودة، مثل اضطراب طيف التوحد بنسبة 3.4 في المائة واضطرابات التعلم المحددة بنسبة 1.1 في المائة.
ويؤكد البحث أن هذه النسب لا تمثل معدل انتشار هذه الاضطرابات في المغرب، وإنما تمثل حصتها من مجموع التشخيصات المسجلة. ولذلك لا ينبغي اعتبار انخفاض التشخيص دليلا على انخفاض الانتشار، بل قد يكشف عن فجوة بين الحالات الموجودة فعليً والحالات التي يتم اكتشافها وتشخيصها وتوثيقها.
تشير النتائج إلى أن ما يقارب ثلثي الأشخاص في وضعية إعاقة يتوفرون على حماية اجتماعية، وهو ما يعكس تقدماً في سياق تعميم الحماية الاجتماعية.
لكن ذلك يعني في المقابل أن جزءا مهما من الأشخاص لا يزال خارج التغطية. كما يستفيد ما يقارب النصف من التأمين الإجباري عن المرض AMO تضامن.
ويرتبط عدم استفادة جزء من الأشخاص من الحماية الاجتماعية بعوامل من بينها ضعف القدرة على أداء الاشتراك، والصعوبات الإدارية، وعتبة مؤشر الدعم الاجتماعي المباشر. ولذلك، فإن توسيع التغطية لا يتعلق فقط بالاستحقاق، وإنما أيضا بتبسيط المساطر وتعزيز المواكبة وتيسير الولوج الفعلي إلى الحقوق.
بلغ معدل تمدرس الأطفال ذوي الصعوبات الوظيفية في الفئة العمرية 6 إلى 17 سنة حوالي 65 في المائة.
ويكتسي هذا الرقم أهمية خاصة لأن البحث اعتمد أدوات أكثر دقة لرصد الصعوبات الوظيفية لدى الأطفال، بما يسمح بإدراج حالات قد لا تكون مشخصة أو مصرحاً بها إداريا.
ومن أبرز معيقات الولوج إلى المدرسة رفض التسجيل بسبب الإعاقة بنسبة 42.4 في المائة، يليه عدم قدرة الأسرة على توفير خدمة المرافقة بنسبة 26.9 في المائة.
وتؤكد هذه النتائج أن التربية الدامجة لا تتعلق فقط بتوفير مقعد دراسي، وإنما بضمان شروط الاستمرار والتعلم والنجاح.
اقرأ أيضا مقال بعنوان: التعليم ومحو الأمية: أين يقف الأشخاص في وضعية إعاقة بالمغرب؟
ماذا تقول هذه النتائج؟
بعيدا عن الأرقام، تقدم الخلاصات الأولية للبحث الوطني الثالث رسالة أساسية: التحدي لم يعد فقط في معرفة عدد الأشخاص في وضعية إعاقة، وإنما في معرفة العوائق التي تحول دون تمتعهم بحقوقهم على قدم المساواة.
فالنتائج تكشف في الوقت نفسه عن تقدم في بعض المجالات، خصوصا الحماية الاجتماعية، وعن استمرار فجوات مهمة في التشخيص والتعليم والتشغيل والصحة والولوجيات والنفاذية الرقمية.
كما أن توسع البحث ليشمل المشاركة وظروف العيش وإعمال الحقوق والتقاطعية والنفاذية الرقمية والأهلية والاضطرابات النمائية والبعد الترابي، يجعله أداة يمكن أن تساعد على الانتقال من المعطيات إلى القرار، ومن القرار إلى الفعل العمومي، ومن الفعل إلى قياس الأثر.
وفي هذا السياق، تكتسي انتظارات الأشخاص في وضعية إعاقة وأسرهم أهمية خاصة. ففي التعليم، تبرز المطالب المرتبطة بالمنح الدراسية أو التكوينية بنسبة 33.7 في المائة، وتيسير التسجيل والاستقبال بنسبة 24.3 في المائة، ومواكبة الأسر الفقيرة بنسبة 22.2 في المائة.
أما في التشغيل، فيأتي تفعيل حصة الشغل في مقدمة الانتظارات بنسبة 27.1 في المائة، يليه دعم التشغيل الذاتي بنسبة 17.1 في المائة، والمزيد من فرص الشغل والتكوين بنسبة 16.5 في المائة، وخدمات مخصصة داخل الوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل بنسبة 14.7 في المائة.
من الأرقام إلى السياسات
تظهر النتائج الأولية للبحث الوطني الثالث أن بناء سياسات عمومية دامجة يتطلب أكثر من مجرد الاعتراف بحقوق الأشخاص في وضعية إعاقة. فالمؤشرات تكشف عن الحاجة إلى تقليص الفجوة بين الحق وممارسته الفعلية.
ويعني ذلك تطوير منظومات للكشف والتشخيص المبكر، وتعزيز التربية الدامجة، وتيسير الولوج إلى سوق الشغل، وتخفيف العبء المالي المرتبط بالإعاقة، وتحسين الولوجيات والنقل، وضمان النفاذية الرقمية، مع اعتماد سياسات أكثر استهدافا حسب الجنس والعمر والجهة ونوع وشدة الإعاقة.
وفي النهاية، فإن القيمة الحقيقية لهذا البحث لن تقاس فقط بعدد المؤشرات التي أنتجها، وإنما بمدى قدرة المؤسسات والفاعلين على تحويل هذه المعطيات إلى قرارات وبرامج وميزانيات وخدمات قابلة للقياس والتقييم، بما يجعل الإحصاء أداة فعلية لإعمال حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة، وليس مجرد وصف للواقع.
المصدر: ورقة مختصرة للنتائج الأولية للبحث الوطني الثالث حول الإعاقة بالمغرب 2026، أصدرتها كتابة الدولة المكلفة بالإدماج الاجتماعي.
اضغط هنا للإطلاع على الورقة.